الثعلبي
147
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وقال كعب هي قريتهم . وهو على هذا التأويل من رقمة الوادي وهو موضع الماء منه ، تقول العرب : عليك بالرقمة ، ودع الضّفة . والضِّفتان : جانبا الوادي . وقال سعيد بن جبير : الرَّقيم لوح من حديد ، وقيل : من رصاص ، كتبوا فيه أسماء أصحاب الكهف وقصتهم ، ثمّ وضعوه على باب الكهف . وهو على هذا التأويل بمعنى المرقوم ، أي المكتوب . والرّقم : الخط والعلامة ، والرقم : الكتابة . ثمّ ذكر قصتهم فقال : " * ( إذ أوى الفتيةُ إلى الكهف ) * ) ، أي رجعوا وصاروا . واختلفوا في مسيرهم إلى الكهف ، فقال محمد بن إسحاق بن يسار : مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت ، وفيهم بقايا على دين المسيح ابن مريم ( عليه السلام ) ، متمسكين بعبادة الله عزّ وجّل وتوحيده . وكان ممّن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يُقال له دقيانوس كان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه في ذلك ممّن أقام على دين المسيح . وكان ينزل بقرى الروم فلا يترك في قرية ينزلها أحداً إلاّ فتنه حتى يعبد الأصنام ، ويذبح للطواغيت ، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف وهي أفسوس ، فلما نزلها كبر ذلك على أهل الإيمان فاستخفوا منه وهربوا في كل وجه . وكان دقيانوس قد أمر حين قدمها أن يتتبّع أهل الإيمان ، فيجمعوا له ، واتّخذ شرطاً من الكفار من أهلها ، فجعلوا يتتبعون أهل الإيمان في مساكنهم فيخرجونهم إلى دقيانوس فيقدمهم إلى الجامع الذي يذبح فيه للطواغيت ، فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأصنام والذبح للطواغيت ، فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيُقتل . فلما رأى ذلك أهل الشّدة في الإيمان بالله عز وجّل ، جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل ، فيُقتّلون ويقطّعون ثمّ يربط ما قُطع من أجسامهم على سور المدينة من نواحيها كلّها وعلى كلّ باب من أبوابها ، حتّى عظمت الفتنة على أهل الإيمان فمنهم من أقّر فتُرك ومنهم مَن صَلُبَ على دينه فقتل . فلما رأى الفتية ذلك حزنوا حزناً شديداً ، فقاموا وصلّوا وصاموا واشتغلوا بالدعاء والتسبيح لله عز وجّل ، وكانوا من أشراف الرّوم ، وكانوا ثمانية نفر ، فبكوا وتضرّعوا وجعلوا يقولون : " * ( ربّنا ربّ السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططا ) * ) ، اكشف عن عبادك هذه الفتنة ، وارفع عنهم البلاء ، وأنعم على عبادك الذين آمنوا بك حتى يعلنوا عبادتك . فبينا هم على ذلك إذ أدركهم الشرَط ، وكانوا قد دخلوا في مصلّى لهم فوجدوهم سجوداً على وجوههم يبكون ويتضرّعون إلى الله عز وجّل ويسألونه أن ينجيهم من دقيانوس وفئته . فلما رآهم أُولئك الكفرة قالوا لهم : ما خلفكم عن أمر الملك ؟ انطلقوا إليه . ثمّ خرجوا من عندهم فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس ، فقالوا : نجمع الجميع وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يسخرون منك ويعصون أمرك ؟